فردَ عليه هاتفٌ آخر قال : لا، بل يئِسوا فانقلبوا. ما وجدوا ما فقدوا، ما وجدوا ضعيتهم، ولا وديعتهم: كنزُ بحلاون عند الله نطلبُه ** خير الودائعِ من خير المؤدينا قال لا، بل يئِسوا فانقلبوا. ما كلمَهم من القبر، ما خرج إليهم ولو في ليلةٍ واحدة، ما قبل أطفاله، ما رأى فتاته، لا. ولذلك هذه هي أولُ ليلةٍ ولكن لها ليالي أخرى إذا أحسن العمل. قال الله ـ جل وعز ـ {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإحسان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين} [الطور: 21]. أتى أبو العتاهية يقول لسلطانٍ من السلاطينِ غرتُه قصوره، وما تذكرَ أولَ ليلةٍ ينزل فيها القبر. ونحن نقول لكل عظيم ولكل متكبر، متجبر أما تذكرت أول ليلة؟ هذا السلطان بنى قصورًا في بغداد، فدخل عليه الشاعر يهنئه بالقصور يقول له: عش ما بدا لك سالمًا في ظل شاهقةِ القصور عش ما بدا لك سالمًا عش ألف سنة، عش مليون سنة سالمًا معافًا مشافًا. يجري عليكَ بما أردتَ مع الغدوِ مع البكور ما تريدُ من طعام، ما تريدُ من شراب هو عندك اسمع ماذا يقول: فإذا النفوسُ تغرغرت بزفيرِ حشرجةِ الصدور** فهناك تعلمُ موقنًا ما كنت إلا في غُرور فبكى السلطان حتى أغمي عليه: فهناك تعلمُ موقنًا ما كنت إلا في غُرور. أولُ ليلةٍ في القبر. وأنا أطالبُ نفسي و إياكم يا معاشر المسلمين أن نهيئ لنا نورًا في القبر أولُ ليلة. ووالله لا ينورُ لنا القبر إلا العملُ الصالحِ بعد الإيمان. لنقدمَ لنا ما يؤنسُنا في القبر يوم ننقطعُ عن الأهل المال الولد والأصحاب. خرج النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى تبوك: وفي ليلةٍ من الليالي نامَ هوَ والصحابة، وكانوا في غزوةٍ في سبيل الله. قال ابنُ مسعود ـ رضي الله عنه ـ و أرضاه: قمتُ آخرَ الليل فنظرتُ إلى فراش الرسولِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم أجده في فراشه. فوضعتُ كفي على فراشهِ فإذا هوَ بارد. وذهبتُ إلى فراشِ أبي بكر فلم أجده على فراشه. فالتفت إلى فراش عمر فما وجدته، قال وإذا بنورٍ في آخر المخيم وفي طرف المعسكر، فذهبتُ إلى ذلك النور ونظرتُ. فإذا قبرٌ محفور، والرسولُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ قد نزلَ في القبر. وإذا جنازةٌ معروضةٌ، وإذا ميتُ قد سجي في الأكفان. وأبو بكرٍ وعمر حول الجنازة، والرسولُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لأبي بكر وعمرَ دليا لي صاحَبكما. فلما أنزلاهُ، نزلهُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في القبر، ثم دمعت عيناه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثم التفتَ إلى القبلةِ ورفع يديه وقال: (اللهم إني أمسيتُ عنه راضٍ فأرضَ عنه)، (اللهم إني أمسيتُ عنه راضٍ فأرضَ عنه). قلت من هذا؟ قالوا: هذا أخوك عبد الله ذو البجادين مات في أولِ الليل. قال ابنُ مسعود ـ رضي الله عنه ـ فوددت واللهِ أني أنا الميت: (اللهم إني أمسيتُ عنه راضٍ فأرضَ عنه). وإذا رضي اللهُ عن العبدِ أسعده. وإنما هي مسألةٌ لمن نسيَ اللهَ و أوامرَ الله وانتهكَ حدودَ الله. نقولُ له هل تذكرتَ يا أخي أولُ ليلةٍ في القبر؟ كان عمر بن عبد العزيز أميرًا من أمراء الدولةِ الأموية، يغيرُ الثوبَ من حرير في اليومِ أكثرَ من مرة، الذهبُ والفضةُ عنده الخدم القصور، المطاعم المشارب كلَ ما اشتهى وكل ما طلبَ وكلَ ما تمنى. ولما تولى الخلافة، مُلك الأمة الإسلامية انسلخَ من ذلك كلِه لأنه تذكرَ أولَ ليلةِ في القبر. وقف على المنبرِ يوم الجمعةِ فبكى وقد بايعتهُ الأمة. وحولَه الأمراء الوزراء والشعراء والعلماء وقوادَ الجيش، فقال: خذوا بيعتَكم. قالوا ما نريدُ إلا أنت. فتولاها فما مرَ عليه أسبوعٌ أو أقل إلا وقد هزُل، وضعف وتغير لونه ما عنده إلا ثوبٌ واحد. قالوا لزوجتهِ مالِ عمرَ تغير؟ قالت واللهِ ما ينامُ الليل، والله إنه يأوي إلى فراشه فيتقلبُ كأنه ينامُ على الجمر ويقول: آه توليت أمر أمةِ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسألني يوم القيامةِ الفقير والمسكين والطفلُ والأرملة. يقولُ له أحد العلماء يا أمير المؤمنين: رأيناك قبل أن تتولى الملك وأنت في مكة في نعمةٍ وفي صحة وفي عافيه، فمالك تغيرت؟ فبكى ـ رضي الله عنه ـ حتى كادت أضلاعَه تختلف، ثم قال للعالم وهو ابن زياد: كيف بك يا ابن زياد لو رأيتني في القبرِ بعد ثلاثةِ أيام. يومَ أجرد من الثياب، وأوسد التراب، وأفارقُ الأحباب وأترك الأصحاب. كيف لو لرأيتني بعد ثلاث والله لرأيت منظرًا يسوءك. فنسأل اللهَ حسن العمل. والله والله لو عاش الفتى في عمرهِ ** اسمع.. والله لو عاش الفتى في عمرهِ ** ألفًا من الأعوامِ مالكَ أمره متنعمًا فيها بكــــلِ لذيذةٍ ** متلذذًا فيها بسكنى قصره لا يعتريه الهمُ طول حـياته ** كلا ولا تردُ الهمومُ بصدره ما كان ذلك كلُه في أن يفي ** فيها بأولِ لـــيلةٍ في قبره واللهِ لو عاش ألف سنة، وما طرقَه همٌ ولا غم ولا حزن. واللهِ لا يفي بأولِ ليلةٍ في القبر. وواللهِ لننزلنَها جميعًا، أولُ ليلة. فيا عباد الله، أسألُ الله لي ولكم الثبات، ماذا أعددنا لضيافةِ تلك الليلة؟ يقول رسولُنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (القبرُ روضةٌ من رياض الجنةِ أو حفرةٌ من حُفرُ النار). كان عثمانُ بنُ عفانُ الخليفةَ ـ رضي الله عنه ـ إذا شيعَ جنازة بكى حتى يغمى عليه فيحملونَه إلى بيتهِ كالجنازة إلى بيته. قالوا مالك؟ قال سمعتُ الرسولَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( يقول القبرُ أولُ منازلِ الآخرة فإذا نجا العبدُ فيه أفلح وسعد، وإذا خسرَ ـ والعياذُ بالله خسرَـ أخرتَه كلها). ........يتبع
.
.
الثلاثاء, 14 يوليو, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








